يكشف الصحفي شون ماثيوز أن السعودية تضغط لتغيير مسار كابل ألياف ضوئية يربط المملكة باليونان عبر البحر المتوسط، بحيث يمرّ عبر سوريا بدلاً من إسرائيل، وفق ما أفاد به مسؤولان إقليميان مطّلعان على المشروع. ويعكس هذا التوجّه إعادة ترتيب واضحة للتحالفات الإقليمية، مع سعي الرياض إلى تعزيز موقع دمشق إقليمياً وتقليص أي روابط ملموسة مع إسرائيل.


يوضح ميدل إيست آي أن الإصرار السعودي على المسار السوري يتقاطع مع مواقف سياسية علنية، إذ اتهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إسرائيل بارتكاب إبادة في غزة، في وقت تتصاعد فيه خلافات الرياض مع أبوظبي—أقرب شريك عربي لإسرائيل—حول ملفات اليمن والسودان والبحر الأحمر.


مسار رقمي جديد يعكس تبدّل التحالفات

 


يحمل مشروع «ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط» (EMC) دلالات تتجاوز البنية التحتية. فاليونان تسعى إلى ترسيخ موقعها بوابةً بين أوروبا والشرق الأوسط في مجالات الطاقة والعقارات والذكاء الاصطناعي، بينما تريد دول الخليج تصدير خدمات رقمية كثيفة البيانات إلى أوروبا بسرعة فائقة عبر كابلات ألياف ضوئية تنقل الإشارات الضوئية في أجزاء من الثانية.


أعلنت الرياض وأثينا المشروع عام 2022 كشراكة تضم «الاتصالات السعودية» (STC)، وشركة الكهرباء اليونانية PPC، وشركات اتصالات يونانية، وشركة TTSA المتخصصة في تطبيقات الأقمار الصناعية. آنذاك، دار حديث واسع عن تطبيع سعودي–إسرائيلي بدعم أمريكي، قبل أن يبدّدته حرب غزة عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها من تصعيد إقليمي.


يرى خبراء أن طلب المرور عبر سوريا «جديد»، ويأتي ضمن بحث الصناعة عن مسارات برية إضافية بين المحيط الهندي والمتوسط. ويشير مستشارون إلى أن سوريا تُطرح خياراً إذا توافرت قناعة بالمسار السياسي الآخذ في التشكل هناك.


أثينا بين شراكة إسرائيل وحسابات الرياض

 


تبني اليونان خلال العقد الأخير علاقة وثيقة مع إسرائيل، يعتبرها صانعو القرار في أثينا رصيداً استراتيجياً في مواجهة تركيا وضمانة لاستمرار الانخراط الأمريكي في شرق المتوسط. غير أن التحوّل السعودي المحتمل قد يربك هذه المعادلة إذا استُبعدت إسرائيل من المسار الجديد.


يؤكد محللون، بينهم خبير شؤون الخليج كريستيان كوتس أولريخسن من معهد بيكر بجامعة رايس، أن إدخال سوريا على حساب إسرائيل «ينسجم مع مساعي سعودية لإعادة دمج دمشق إقليمياً وتقليل أي روابط ملموسة مع إسرائيل». ويضيف أن عام 2022 شكّل ذروة الحديث عن التطبيع السعودي–الإسرائيلي، بينما يكشف المسار المقترح اليوم عن تبدّل في مزاج الرياض.


تُظهر وثائق عرض قدمتها PPC في نوفمبر 2025—اطّلع عليها الموقع—مساراً يمر عبر إسرائيل ومياهها، ما يشير إلى أن الخريطة التنفيذية لا تزال محل شدّ وجذب. ويقول مسؤول إقليمي آخر إن السعودية تتصور أيضاً مشروع ربط كهربائي عالي الجهد (HVDC) مع اليونان يلتف على إسرائيل ويمر بسوريا، في إشارة إلى رؤية أوسع للربط الإقليمي.


سوريا في قلب الربط الإقليمي

 


تستثمر السعودية ثقلها المالي لإعادة وصل سوريا بشبكات إقليمية. أعلنت STC في فبراير نيتها استثمار نحو 800 مليون دولار في بنية الاتصالات السورية، مع خطة لمدّ شبكة ألياف ضوئية تمتد لأكثر من 4,500 كيلومتر لربط البلاد إقليمياً ودولياً. ويقول مسؤول غربي مطّلع على حملة الاستثمارات إن «دمشق تقف في قلب تصور الرياض للربط الإقليمي: الطرق والكابلات والسكك».


موانئ أوروبا تتجه شرقاً… والمخاطر قائمة

 


يتغيّر مشهد «بوابات أوروبا» للكابلات البحرية. بعد أن شكّلت مرسيليا وجنوة نقاط دخول تقليدية، تدفع الحاجة إلى تنويع المسارات الصناعة شرقاً، ما يضع اليونان وتركيا في الواجهة. غير أن شرق المتوسط زاخر بمشاريع عملاقة لم ترَ النور، مثل خط غاز كان يربط اليونان وقبرص وإسرائيل، ومشروع «الربط البحري الكبير» الذي واجه تأخيرات، وسط اعتراضات تركية ونزاعات بحرية.


مع ذلك، يرى خبراء أن EMC من أكثر المشاريع قابلية للتنفيذ. يلفت مستشارو الألياف إلى أن «دفعة المقدّم» للمورّدين مؤشر حاسم على الجدية. في هذا السياق، وقّعت بنوك يونانية وسعودية اتفاقاً لتمويل 60% من المشروع، ووقّع الكونسورتيوم عام 2023 عقد توريد مع شركة Alcatel Submarine Networks لبناء كابلين بحريين وبريين.


لا يقتصر الجدل حول مسار كابل الألياف الضوئية على اعتبارات تقنية. يعكس المشروع إعادة تموضع سياسية واقتصادية، حيث تستخدم الرياض أدوات الاستثمار والربط الرقمي لترجمة رؤية إقليمية جديدة تضع سوريا في القلب وتخفف الارتباط بإسرائيل، بينما توازن أثينا بين شراكاتها الراسخة وحسابات المستقبل الرقمي.

 

https://www.middleeasteye.net/news/saudi-arabia-wants-fiber-optic-cable-greece-run-through-syria-instead-israel